ابن قتيبة الدينوري
233
تأويل مشكل القرآن
يريد : آنف . وحكى أبو عبيد ، عن أبي عمرو ، أنه قال في قوله تعالى : فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ [ الزخرف : 81 ] : هو من الغضب والأنفة . ففسّر الحرف بالمعنيين لتقاربهما . فكأنّ نبيّ اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلم ، لمّا أخبرهم عن اللّه أنّه منزل العذاب عليهم لأجل ، ثم بلغه بعد مضيّ الأجل أنّه لم يأتهم ما وعدهم - خشي أن ينسب إلى الكذب ويعيّر به ، ويحقّق عليه ، لا سيّما ولم تكن قرية آمنت عند حضور العذاب فنفعها إيمانها غير قومه ، فدخلته الأنفة والحميّة ، وكان مغيظا بطول ما عاناه من تكذيبهم وهزئهم وأذاهم واستخفافهم بأمر اللّه ، مشتهيا لأن ينزل بأس اللّه بهم . هذا إلى ضيق صدره ، وقلّة صبره على ما صبر على مثله أولو العزم من الرّسل . وقد روي في الحديث أنه كان ضيّق الصدر ، فلما حمّل أعباء النّبوّة تفسّخ تحتها تفسّخ الرّبع تحت الحمل الثّقيل ، فمضى على وجهه مضيّ الآبق النّاد . يقول اللّه سبحانه : وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 139 ) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 140 ) [ الصافات : 139 ، 140 ] . فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ، أي لن نضيّق عليه ، وأنّا نخلّيه ونهمله . والعرب تقول : فلان مقدّر عليه في الرزق ، ومقتّر عليه ، بمعنى واحد ، أي مضيّق عليه . ومنه قوله تعالى : وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ [ الفجر : 16 ] . وقدر - بالتخفيف والتثقيل - قال أبو عمرو بن العلاء : قتر وقتّر وقدر وقدّر ، بمعنى واحد ، أي ضيّق . فعاقبه اللّه عن حميّته وأنفته وإباقته ، وكراهيته العفو عن قومه ، وقبول إنابتهم - بالحبس له ، والتّضييق عليه في بطن الحوت . وفي رواية أبي صالح : أن ملكا من ملوك بني إسرائيل كان أمره بالمسير إلى نينوى ليدعو أهلها بأمر شعياء النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فأنف من أن يكون ذهابه إليهم بأمر أحد غير اللّه تعالى ، فخرج مغاضبا للملك ، فعاقبه اللّه بالتقام الحوت . قال : فلما قذفه الحوت بعثه اللّه إلى قومه فدعاهم . وأقام بينهم حتى آمنوا . في سورة يوسف حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ [ يوسف : 110 ] .